الوهم-قصة 2009/09/16
Posted by abunabaa in Uncategorized.trackback
الوهم
الصور المتداخلة والحكايات تومض في الذاكرة كأنها شريط متجدد لا تمحوه عجلة الزمان …. كأنها كتابة هيروغلوفية مقدسة محفورة على جنبات المعابد ، تتدافع الصور تارة لتتحفك بمفارقاتها وتارة أخرى لترعبك ، وتنبش ملف الخوف وما به من صور لحكايات خرافية ممزوجة بقصص ” الشاطر حسن ” و ” الغولة ” وأخرى عن الضباع التي بالت على ( أمجد ) و ( فؤاد) وعدد آخر من أهالي القرية ! ورغم صغر سن الفتى آنذاك إلا أنه كان يحس بأن قسما ً كبيرا ً من القصص قد حاكتها ألسن العجائز من الجنسين لتروح عن نفسها أو لتضفي هالة من البطولات على بعضهم وخاصة ذلك الذي تغلب على الضبع فولى الضبع هاربا ً.
كان بعضهم لا يتردد في عقد أغلظ الأيمان على صدق حكايته عندما يشتم من نظراتهم وابتساماتهم الخبيثة رائحة الشك والريبة . تبدأ الحكاية كما أقسم أحدهم ، عندما أرخى الليل سدوله وكانت القرية غارقة في ظلام دامس …
حفلة الدبكة على أشدها والمغنون الشعبيون يثيرون حماس الجميع والساحة التي أقيم فيها الاحتفال مضاءة بمشاعل مصنوعة من قماش مثبت على أطراف عصي خشبية طويلة ، وبعضهم كان يتشبث بفانوس قديم تتسلل من فتيلته القديمة أشعة متعبة تشق طريقها في جنح الظلام …..
فجأة انتبه (علي) إلى أن صديقه (صالح) غير موجود في الحفلة على غير عادته ، فتلفت يمنة ويسرة وتفحص وجوه الحاضرين وأطلق ساقيه للريح …..
- لا بد أن صالح قد تغافلنا وانقض على كرم التين الذي تضمناه مؤخرا ً.
- إلى أين يا (علي) في هذه الساعة من الليل ؟
- انطلق صاحبنا كإنسان لدغته أفعى ذات أجراس ، وبعد ساعتين انفض الإحتفال ومضى كل في سبيله ، ذهبت مجموعة من رجال القرية في وقت لاحق إلى بيت (علي ) لتطمئن على أحواله فوجدته قد عاد للتو .
- خير ياعلي ؟
- اللهم اجعله خير ! اللعنة على (صالح ) .
- لماذا تلعنه يا رجل لقد كان آخر من غادر ساحة الإحتفال .
- ماذا ؟
- أقسم أنني لم ألمحه في الحفلة فانتابني شكوك بأنه ذهب لكرم التين
- وبعدين؟!
- حينما وصلت المكان مشيت على أطراف أصابعي ….. وجدته هناك يلتهم حبات التين التهاما ً
- يا رجل نقسم أنه كان في الإحتفال طيلة الوقت
- صدقتم !
- هل أصابك مس ! تقدم أحدهم يتحسس جبهته لعل سخونة قد إنتابته أو حمى قد أطارت صوابه .
- لعن الله الشك ….. فرحت لأنني سأقبض عليه متلبسا ً فغافلته وهجمت عليه بكل قوتي …. فر مثل قط مذعور وانطلق في ظلمة لا حد لها .
- من ؟ صالح ؟
- لا….. الضبع !
- تلاقت العيون ، كان الجميع مشدوهين ما بين معجب ببطولة صاحبنا وبين قدرته على التأليف والإفتراء وإختلاق مطاردات موهومة
قال الفتى : لقد سمعت هذه الحكاية تسع مرات على لسان عدد من رواة القرية ومان كل واحد يضفي أحداثا ً جديدة ويزيد من أعداد الضباع التي صرعها (علي) ، حتى كنا ونحن صغارا ً نتخيل بعضهم شخصيات أسطورية تحسب لها الحيوانات المفترسة ألف حساب .
ربما كان الظلام الذي تتدثر به القرية بيئة مناسبة … كان الصغار يخشون الخروج ليلا ً ، وأضاف الفتى قائلا ً: عندما اضطررت ذات يوم للخروج إلى بيت خالتي أخفيت الرعب الذي انتابني بين ضلوعي ، انطلقت وما أن مررت أمام منزل يرقد فيه ضريح ( الحاج أحمد ) حتى ازداد انحناء جسدي للأمام ووضعت
يدي اليمنى ساترا ًعلى ميمنة وجهي حتى لا أرى شيئا ً ، كنت أتخيل أشياء تخرج من الضريح تحطم الشاهد وتنقض علي ، وكانت رجلاي تتراقص بارتعاش طفل بريء إلى أن وصلت ، سامحهم الله لماذا لم يدفنوه في مقبرة القرية العامة ؟!
لم تكن المقابر المتناثرة في الجنائن المصدر الوحيد للرعب المزروع في قلب الأطفال ، إذ أن الحشرة الصغيرة الليلية المضيئة كانوا يسمونها (سراج الغول) . أشياء كثيرة كانت قادرة على زرع الخوف بدءاً ً من أشجار الصبار الضخمة الملتفة مرورا ً بالسدرة وإنتهاء بشجرة الزيتون التي تضم تحتها رفات جندي (تركي ) قضى نحبه في الحرب العالمية الاولى .
في المدرسة ما تزال ذكريات معلم الرياضيات ماثلة في ذهن الفتى ….. فقد كان طويل القامة ، ذا بشرة سمراء تميل إلى السواد ، يذرع الملعب محركا ً عصا الصولجان الملونة التي كان يستخدمها في التدريبات الرياضية والعقاب البدني .
دخل غرفة الصف ذات يوم ، لوح بصولجانه وتسلح بإبتسامة غامضة على محياه ليصطاد فريسته ، نادى على الطلاب واحدا ً واحدا ً فتدافع الجميع واصطفوا في طابور كأنهم قطعان تتجه نحو المسلخ ، كانت الأسنان تصطك والشفاه ترتجف ، والقلوب البريئة تدق سريعا ً ، كانوا موتى بلا أجداث .
السؤال الأول : سبعة ضرب سبعة ؟
خمسة واربعون ! أجاب طفل مذعور
- وتراءى للطلاب أن صولجانه ما تتقدم وأن جدول الضرب يتلوى فوق أجساد بريئة ، وخيم الوجوم بعد أن تدحرجت عبرات ساخنة .
- أضاف الفتى : بعد إنتهاء يوم دراسي طويل عدت إلى البيت وهو عبارة عن بناء القديم ، نظرت بتطفل نحو الفناء الخلفي للبيت وتسلقت سورا ً فإذا بمقبرة قديمة ماثلة أمامي بأجداثها وشواهدها .
ثمة شجر ملتف وعليه أشرطة من قماش أبيض كانت ترفرف كأنها تعلن استسلام القرية للروايات والهالات المقدسة والدراويش وقبور الأولياء والصالحين المنتشرة في أطراف القرية لترسم عالما ً أسطوريا ً تفوح منه رائحة الخوف .
الصمت يطوق المكان وأزقة القرية لا يعكر صفوها سوى ثغاء قطيع أغنام ذاهبة للرعي أو دبيب بعض المزارعين المتوجهين لمزارعهم قبل انبلاج الفجر .
فجأة يزداد وقع الخطى في أحد الأزقة حدة ويلتقي عدد من أبناء القرية حول مذياع قديم يعمل ببطارية ، تشرئب الأعناق وتنتشي الأرواح على سماع أناشيد حماسية ، تقرع طبول الحرب ، ويتم توزيع عتاد أحضرته سيارات عسكرية فتنطلق أهازيج تحلم بنصر آت في اليوم التالي ، كان معظم أهل القرية يشدون الرحال إلى مغارة تقع شرقها ، غير أن بعضهم آثر أن يتسمر في منزله ويتسلح بالدعاء قال الفتى : شاهدت طائرتين تطيران على إرتفاع منخفض ، انبطحنا أرضا ً وسمعنا أصوات رصاص منطلق من بنادق قديمة ، كانت عائلات عديدة بقضها وقضيضها رجالها الأشاوس صارعي الضباع تفترش أرضية المغارة وعند المدخل كان ثمة أغنام وخراف وبعير وحيد !
لم يطل بنا المقام فالمعركة انتهت سريعا ً مثل حكايات الجدة وجاء الجراد وظللت السماء غيوم الإحتلال الداكنة ، ارتجت الأرض ، أخذت تميد وانفتحت أوكار وثقوب من باطنها ، انتابني قشعريرة لم أعهدها من قبل .
يا إلهي ما هذا ؟ عشرات القنافذ ، أفاعي بلا سموم ، سلاحف تتهادى بلا دموع ، حرباء بلون الزيتون ، وعجائز بلا ذاكرة ولا أسنان ! رجال يهذون بما رأوه من كوابيس فظيعة ربما ولدتها تجربة المبيت في المغارة . مع انقشاع ستائر الظلام صبيحة أحد الأيام نهضت الشمس وانطلقت أشعة ولمع في الأفق ضوء انعكس ابتسامة واعدة على شفاه أطفال عابرين .
تعليقات»
No comments yet — be the first.